السيد محمد تقي المدرسي
308
الفقه الإسلامي (تعليقات على العروة الوثقى ومهذب الأحكام)
الموالاة بين الإيجاب والقبول ونحوها ، فلا تصح مع غيبة المحتال عليه أو كليهما بان أوقع الحوالة بالكتابة ، ولكن الذي يقوى عندي كونها من الإيقاع غاية الأمر اعتبار الرضا من المحتال أو منه ، ومن المحال عليه ، ومجرد هذا لا يصيره عقداً وذلك لأنها نوع من وفاء الدين وإن كانت توجب انتقال الدين من ذمته إلى ذمة المحال عليه ، فهذا النقل والانتقال نوع من الوفاء وهو لا يكون عقداً وإن احتاج إلى الرضا من الآخر ، كما في الوفاء بغير الجنس فإنه يعتبر فيه رضا الدائن ومع ذلك إيقاع ، ومن ذلك يظهر أن الضامن أيضاً من الإيقاع فإنه نوع من الوفاء وعلى هذا فلا يعتبر فيها شيء مما يعتبر في العقود اللازمة ويتحققان بالكتابة ونحوها ، بل يمكن دعوى أن الوكالة أيضاً كذلك كما أن الجعالة كذلك ، وإن كان يعتبر فيها الرضا من الطرف الآخر ، ألا ترى أنه لا فرق بين أن يقول : أنت مأذون في بيع داري ، أو قال : أنت وكيل ، مع أن الأول من الإيقاع قطعاً . ( الثاني ) : التنجيز « 1 » ، فلا تصح مع التعليق على شرط أو وصف كما هو ظاهر المشهور ، لكن الأقوى عدم اعتباره كما مال إليه بعض متأخري المتأخرين . ( الثالث ) : الرضا من المحيل والمحتال بلا إشكال ، وما عن بعضهم من عدم اعتبار رضا المحيل فيما لو تبرع المحال عليه بالوفاء ، بأن قال للمحتال : أحلت بالدين الذي لك على فلان على نفسي ، وحينئذ فيشترط رضا المحتال والمحال عليه دون المحيل لا وجه له ، إذ المفروض لا يكون من الحوالة بل هو من الضمان « 2 » ، وكذا من المحال عليه إذا كان بريئاً أو كانت الحوالة بغير جنس ما عليه ، وأما إذا كانت بمثل ما عليه ، ففيه خلاف ، ولا يبعد التفصيل « 3 » بين أن يحوله عليه بماله عليه بأن يقول : أعطه من الحق الذي ليعليك فلا يعتبر رضاه فإنه بمنزلة الوكيل في وفاء دينه ، وإن كان بنحو اشتغال ذمته للمحتال وبراءة ذمة المحيل بمجرد الحوالة بخلاف ما إذا وكله فإن ذمة المحيل مشغولة إلى حين الأداء وبين أن يحوله عليه من غير نظر إلى الحق الذي له عليه على نحو الحوالة على البريء فيعتبر رضاه لأن شغل ذمته بغير رضاه على خلاف القاعدة ، وقد يعلل باختلاف الناس في الاقتضاء فلا بد من رضاه ولا يخفى ضعفه كيف وإلا لزم عدم جواز بيع دينه على
--> ( 1 ) وهو تعبير آخر عن الإنشاء في العقد واعتباره بهذا المعنى وهذا القدر جزء من العقد ، أما أكثر من ذلك أو بمعنى عدم التعليق مطلقا فلا . ( 2 ) إن اعتبر ذلك ضمانا عرفا . ( 3 ) قد يكون هذا التفصيل مفيدا في وجوب قبول الحوالة من قبل المحال عليه ( المديون ) ولكنه ليس مفيدا في دعوى براءة ذمة المحيل بمجرد الحوالة من دون رضاه ، فالأشبه ما حكي عن المشهور والأحوط قبول المديون هذه الحوالة إن لم يكن عليه فيها تكلف إضافي على أداء الدين لأن هذا الأداء واجب عليه .